ابن عجيبة
199
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أبيض ، وأجرى من تحته الماء ، وألقى فيه السمك وغيره ، ووضع سريره في صدره ، فجلس عليه ، وعكف عليه الطير والجن والإنس . وإنما فعل ليزيدها استعظاما لأمره ، وتحقيقا لنبوته . وقيل : إن الجن كرهوا أن يتزوجها ، فتفضى إليه بأسرارهم ؛ لأنها كانت بنت جنّية . وقيل : خافوا أن يولد له منها ولد ، فيجتمع له فطنة الجن والإنس ، فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك أشدّ منه ، فقالوا له : إن في عقلها شيئا ، وهي شعراء الساقين ، ورجلها كحافر الحمار ، فاحتبر عقلها بتنكير العرش ، واتخذ الصرح ليتعرف ساقيها ورجلها « 1 » فكشفت عنهما ، فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما ، إلا أنها شعراء ، وصرف بصره . ثم قالَ لها : إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ ؛ مملس مستو . ومنه : الأمرد ، للذي لا شعر في وجهه ، مِنْ قَوارِيرَ ؛ من الزجاج ، وأراد سليمان تزوجها ، فكره شعرها ، فعملت له الشياطين النورة ، فنكحها سليمان ، وأحبها ، وأقرها على ملكها ، وكان يزورها في الشهر مرة ، فيقيم عندها ثلاثة أيام ، وولدت له ، وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان عليه السّلام ، فسبحان من لا انقضاء لملكه . روى أنه ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة . ه . ثم ذكر إسلامها ، فقال : قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بعبادة الشمس ، وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ تابعة له ، مقتدية به ، لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . وفيه الالتفات إلى الاسم الجليل ، ووصفه بربوبيته للعالمين ؛ لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى ، وتفرده باستحقاق العبادة ، وربوبيته لجميع الموجودين ، التي من جملتها : ما كانت تعبد قبل ذلك من الشمس . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : عرش النفس الذي تستقر عليه هو الدنيا ، فمن أحب الدنيا وركن إلى أهلها ، فقد أجلس نفسه على عرشها ، وصيّرها مالكة له ، متصرفة فيه بما تحب ، ومن أبغض الدنيا وزهد في أهلها ، فقد هدم لها عرشها ، وصارت خادمة مملوكة له ، يتصرف فيها كيف يشاء . فيقول الداعي إلى اللّه - وهو من أهّله اللّه للتربية - للمريدين : أيكم يأتيني بعرشها ، ويخرج عنها للّه في أول بدايته ؟ فمنهم من يأتي بها بعد مدة ، ومنهم من يأتي بها أسرع من طرفة ، على قدر القوة والعزم والصدق في الطلب ، ومن أتى بعرش نفسه ، وخرج عنها للّه ، فهو الذي آتاه اللّه علما
--> ( 1 ) الواضح أن سليمان ، عليه السّلام أراد ببناء الصرح : أن يريها عظمة ملكه وسلطانه ، وأن اللّه أعطاه من الملك ما لم يعطها ، فضلا عن النبوة ، التي هي فوق الملك ، وحاشا لسليمان - وهو الذي سأل اللّه أن يعطيه حكما ، يوافق حكمه ، فأوتيه ، أن يحتال لينظر إلى ساقيها ، وهي أجنبية . وما نقل من روايات إنما هو من الإسرائيليات المكذوبة ، لا يصح القول بها . قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : ( 3 / 366 ) معقبا على رواية لابن أبي شيبة ، في هذا الشأن : والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب ، مما وجد في صحفهم - كروايات كعب ووهب - سامحهما اللّه تعالى ، فيما نقلاه إلى هذه الأمة ، من أخبار بني إسرائيل ، من الأوابد ، والغرائب ، والعجائب ، مما كان ، ومما لم يكن ، ومما حرّف ، وبدل ، ونسخ ، وقد أغنانا اللّه سبحانه عن ذلك ، بما هو أصح منه وأنفع وأوضح ، وللّه الحمد والمنة .